السعيد شنوقة

290

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ويخرج قوله عز وجل : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [ الحجرات : 2 ] على المفعول لأجله إقرارا لمعتقده في إحباط الكبيرة للطاعات قائلا : « منصوب بالموضع على أنه مفعول له ، وفي متعلّقه وجهان : أحدهما أن يتعلق بمعنى النهي فيكون المعنى : انتهوا عما نهيتم عنه لحبوط أعمالكم : أي لخشية حبوطها على تقدير حذف المضاف كقوله تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ النساء : 176 ] ، والثاني : أن يتعلق بنفس الفعل ، ويكون المعنى : أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه لما كان بصدد الأداء إلى الحبوط جعل كأنه فعل لأجله وكأنه العلة ، والسبب في إيجاده على سبيل التمثيل كقوله تعالى : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [ القصص : 8 ] ، ثم أضاف متسائلا : « فإن قلت لخص الفرق بين الوجهين . قلت : تلخيصه أن يقدر الفعل في الثاني مضموما إليه المفعول كأنهما شيء واحد . ثم يصبّ النهي عليهما صبّا . وفي الأول يقدّر النهي موجها على الفعل على حياله ثم يعلل له منهيا عنه . فإن قلت : بأي النهيين تعلّق المفعول له ؟ قلت : بالثاني عند البصريين مقدرا إضماره عنده الأول كقوله تعالى : آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [ الكهف : 96 ] وبالعكس عند الكوفيين ، وأيّهما كان فمرجع المعنى إلى أن الرفع والجهر كلاهما منصوص أداؤه إلى حبوط العمل » « 1 » . وهو في إعرابه ( فضلا ) من قوله عز وجل : أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ الحجرات : 8 ] ينزع منزع مذهبه حين ذكر أن الرشد ليس فعل الله ، وإنما هو فعل الراشدين : « فضلا مفعول له أو مصدر من غير فعله . فإن قلت : من أين جاز وقوعه مفعولا له ، والرشد فعل القوم ، والفضل فعل الله تعالى والشرط أن يتحد الفاعل ؟ قلت : لما وقع الرشد عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه مسندة إلى اسمه تقدست أسماؤه صار الرشد كأنه فعله ؛ فجاز أن ينتصب عنه أو لا ينتصب عن : الراشدون . ولكن عن الفعل المسند إلى اسم الله تعالى ، والجملة التي هي ( أولئك هم الراشدون ) : اعتراض ، أو عن فعل مقدر كأنه قيل : جرى ذلك ، أو كان ذلك فضلا من الله . وأما كونه مصدرا من غير فعله فإن يوضع موضع : رشدا ؛ لأن رشدهم فضل من الله لكونهم موفقين فيه . والفضل

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 3 ، ص 555 - 556 - 557 .